فصل: تفسير الآيات (55- 61):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التسهيل لعلوم التنزيل



.تفسير الآيات (55- 61):

{قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)}
{قالوا أَجِئْتَنَا بالحق} أي هل الذي تقول حق أم مزاح، وانظر كيف عبر عن الحق بالفعل، وعن اللعب بالجملة الإسمية، لأنه أثبت عندهم {فطَرَهُنَّ} أي خلقهن، والضمير للسموات والأرض، أو التماثيل، وهذا أليق بالرد عليهم {بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ} يعني خروجهم إلى عيدهم {جُذَاذاً} أي فتاتاً، ويجوز فيه الضم والكسر والفتح، وهو من الجذ بمعنى القطع {إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ} ترك الصنم الكبير لم يكسره وعلق القدم في يده {لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} الضمير للصنم الكبير أي يرجعون إليه فيسألونه فلا يجيبهم، فيظهر لهم أنه لا يقدر على شيء، وقيل: الضمير لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، أي يرجعون إليه فيبين لهم الحق.
{قَالُواْ مَن فَعَلَ هذا} قبله محذوف تقديره: فرجعوا من عيدهم فرأوا الأصنام مكسورة، فقالوا: {مَن فَعَلَ هذا} {فَتًى يَذْكُرُهُمْ} أي يذكرهم بالذم وبقوله: {لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ} {يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} قيل: إن إعراب إبراهيم منادى، وقيل: خبر ابتداء مضمر، وقيل رفع على الإهمال، والصحيح أنه مفعول لم يسم فاعله، لأن المراد الاسم لا المسمى وهذا اختيار ابن عطية والزمخشري {لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} أي يشهدون عليه بما فعل أو يحضرون عقوبتنا له.

.تفسير الآية رقم (63):

{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)}
{قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} قصد إبراهيم عليه السلام بهذا القول تبكيتهم وإقامة الحجة عليهم، كأنه يقول: إن كان إلهاً فهو قادر على أن يفعل، وإن لم يقدر فليس بإله ولم يقصد الإخبار المحض، لأنه كذب، فإن قيل: فقد جاء في الحديث: «إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات: أحدها قوله: {فعله كبيرهم}» فالجواب أن معنى ذلك أنه قال قولاً ظاهره الكذب، وإن كان القصد به معنى آخر، ويدل على ذلك قوله: {فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ} لأنه أراد به أيضاً تبكيتهم وبيان ضلالهم.

.تفسير الآيات (64- 65):

{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)}
{فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ} أي رجعوا إليها بالفكرة والنظر، أو رجعوا إليها بالملامة {فقالوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون} أي الظالمون لأنفسكم؛ في عبادتكم ما لا ينطق ولا يقدر على شيء أو الظالمون لإبراهيم في قولكم عنه {إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين} [الأنبياء: 59]، وفي تعنيفه على أعين الناس {ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ} استعارة لانقلابهم برجوعهم عن الاعتراف بالحق إلى الباطل والمعاندة فقالوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ} أي فكيف تأمرنا بسؤالهم فهم قد اعترفوا بأنهم لا ينطقون، وهم مع ذلك يعبدونهم فهذه غاية الضلال في فعلهم، وغاية المكابرة والمعاندة في جدالهم، ويحتمل أن يكون نكسوا على رؤوسهم بمعنى رجوعهم من المجادلة إلى الانقطاع؛ فإن قولهم {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ}: اعتراف يلزم منه أنهم مغلوبون بالحجة، ويحتمل على هذا أن يكون نكسوا على رؤوسهم حقيقة: أي أطرقوا من الخجل لما قامت عليهم الحجة.

.تفسير الآيات (67- 69):

{أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)}
{أُفٍّ لَّكُمْ} تقدم الكلام على أف في [الإسراء: 23] {قَالُواْ حَرِّقُوهُ} لما غلبهم بالحجة رجعوا إلى تغلب عليه بالظلم قلنا {يانار كُونِي بَرْداً وسلاما} أي ذات برد وسلام، وجاءت العبارة هكذا للمبالغة، واختلف كيف بردت النار؟ فقيل: أزال الله عنها ما فيها من الحرّ، والإحراق، وقيل: دفع عن جسم إبراهيم حرها وإحراقها مع ترك ذلك فيها، وقيل: خلق بينه وبينها حائلاً، ومعنى السلام هنا السلامة، وقد روي أنه لو لم يقل: {وسلاما} لهلك إبراهيم من البرد. وقد أضربنا عما ذكره الناس في قصة إبراهيم لعدم صحته، ولأن ألفاظ القرآن لا تقتضيه.

.تفسير الآيات (71- 73):

{وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)}
{إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا} هي الشام خرج إليها من العراق، وبركتها بخصبها وكثرة الأنبياء فيها {نَافِلَةً} أي عطية، والتنفيل العطاء، وقيل سماه: نافلة؛ لأنه عطاء بغير سؤال، فكأنه تبرع، وقيل: الهبة إسحاق، والنافلة يعقوب، لأنه سأل إسحاق بقوله: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين} [الصافات: 100] فأعطى يعقوب زيادة على ما سأل، واختار بعضهم على هذا الوقف على إسحاق لبيان المعنى، وهذا ضعيف لأنه معطوف على كل قول {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} أي يرشدون الناس بإذننا.

.تفسير الآيات (74- 75):

{وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)}
{وَلُوطاً} قيل: إنه انتصب بفعل مضمر يفسره آتيناه، والأظهر أنه انتصب بالعطف على موسى وهارون، أو إبراهيم وانتصب ونوحاً وداود وسليمان وما بعدهم بالعطف أيضاً، وقيل بفعل مضمر تقديره: اذكر {آتَيْنَاهُ حُكْماً} أي حكماً بين الناس: أو حكمة {مِنَ القرية} هي سدوم من أرض الشام {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ} أي في الجنة أو في أهل رحمتنا.

.تفسير الآيات (76- 77):

{وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)}
{نادى مِن قَبْلُ} أي دعا قبل إبراهيم ولوط {مِنَ الكرب} يعني من الغرق {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم} تعدى نصرناه بمن لأنه مطاوع انتصر المتعدّي بمن، أو تضمن معنى نجيناه أو أجزناه.

.تفسير الآيات (78- 82):

{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)}
{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} كان داود نبياً ملكاً، وكان ابنه سليمان ابن أحد عشر عاماً {فِي الحرث} قيل: زرع، وقيل: كرم والحرث يقال فيهما {إِذْ نَفَشَتْ} رعت فيه بالليل {لِحُكْمِهِمْ} الضمير لداود وسليمان المتخاصمين، وقيل لداود وسليمان خاصة، على أن يكون أقل الجمع اثنان {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} تخاصم إلى {دَاوُودَ} رجلان دخلت غنم أحدهما على زرع الآخر بالليل فأفسدته فقضى {دَاوُودَ} بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم، ووجه هذا الحكم أن قيمة الزرع كانت مثل قيمة الغنم، فخرج الرجلان على سليمان وهو بالباب، فأخبراه بما حكم به أبوه، فدخل عليه فقال: يا نبيّ الله لو حكمت بغير هذا كان أرفق للجميع، قال وما هو؟ قال يأخذ صاحب الغنم الأرض ليصلحها حتى يعود زرعها كما كان، ويأخذ صاحب الزرع الغنم وينتفع بألبانها وصوفها ونسلها، فإذا أكمل الزرع ردت الغنم إلى صاحبها، والأرض بزرعها إلى ربها، فقال له داود: وفقت يا بنيّ، وقضى بينهما بذلك، ووجه حكم سليمان أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الزرع، وواجب على صاحب الغنم أن يعمل في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، ويحتمل أن يكون ذلك إصلاحاً لا حكماً.
واختلف الناس هل كان حكمهما بوحي أو اجتهاد؟ فمن قال كان باجتهاد أجاز الاجتهاط للأنبياء، وروي أن داود رجع عن حكمه لما تبين له أن الصواب خلافه، وقد اختلف في جواز الاجتهاد في حق الأنبياء، وعلى القول بالجواز اختلف، هل وقع أم لا؟ وظاهر قوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}: أنه كان اجتهاد فخص الله به سليمان ففهم القضية، ومن قال: كان بوحي، جعل حكم سليمان ناسخاً لحكم داود.
وأما حكم إفساد المواشي الزرع في شرعنا، فقال مالك والشافعي: يضمن أرباب المواشي ما أفسدت بالليل دون النهار للحديث الوارد في ذلك، وعلى هذا يدل حكم داود وسليمان، لأن النفش لا يكون إلا بالليل، وقال أبو حنيفة: لا يضمن ما أفسدت بالليل ولا بالنهار، لقول صلى الله عليه وسلم: «العجماء جرحها جبار» {آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} قيل: يعني في هذه النازلة، وأن داود لم يخطىء فيها، ولكنه رجع إلى ما هو أرجح، ويدل على هذا القول أن كل مجتهد مصيب، وقيل: بل يعني حكماً وعلماً في غير هذه النازلة، وعلى هذا القول فإنه أخطأ فيها، وأن المصيب واحد من المجتهدين {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير} كان هذا التسبيح قول سبحانه الله، وقيل: الصلاة معه إذا صلى، وقدم الجبال على الطير، لأن تسبيحها أغرب إذ هي جماد {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} أي قادرين على أن نفعل هذا.
وقال ابن عطية: معناه كان ذلك في حقه لأجل أن داود استوجب ذلك مناصفة كذا! {صَنْعَةَ لَبُوسٍ} يعني دروع الحديد، وأول من صنعها داود عليه السلام، وقال ابن عطية اللبوس في اللغة: السلاح وقال الزمخشري: اللبوس اللباس {لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ} أي لتقيكم في القتال وقرئ بالياء والتاء والنون، فالنون لله تعالى، والتاء للصنعة، والياء لداود أو للبوس {فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ} لفظ استفهام، ومعناه استدعاء إلى الشكر {وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً} عطف الريح على الجبال والعاصفة هي الشديدة فإن قيل: كيف يقال عاصفة؟ وقال في [ص: 36]
{رُخَآءً} أي لينة؟ فالجواب: أنها كانت في نفسها لينة طيبة، وكانت تسرع في جريها كالعاصف فجمعت الوصفين، وقيل: كانت رخاء في ذهابه، وعاصفة في رجوعه إلى وطنه، لأن عادة المسافرين الإسراع في الرجوع؛ وقيل: كانت تشتدّ إذا رفعت البساط وتلين إذا حملته {إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا} يعني أرض الشام، وكانت مسكنة وموضع ملكه، فخص في الآية الرجوع إليها لأنه يدل على الانتقال منها {يَغُوصُونَ لَهُ} أي يدخلون في الماء ليستخرجوا له الجواهر من البحار {عَمَلاً دُونَ ذلك} أقل من الغوص كالبنيان والخدمة {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} أي نحفظهم عن أن يزيغوا عن أمره، أو نحفظهم من إفساد ما صنعوه، وقيل: معناه عالمين بعددهم.

.تفسير الآيات (83- 84):

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)}
{وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ} كان أيوب عليه السلام نبياً من الروم، وقيل من بني إسرائيل، وكان له أولاد ومال كثير فأذهب الله ماله فصبر، ثم أهلك الأولاد فصبر، ثم سلط البلاء على جسمه فصبر إلى أن مر به قومه فشمتوا به، فحينئذ دعا الله تعالى، على أن قوله: {مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين} ليس تصريحاً بالدعاء، ولكنه ذكر نفسه بما يوجب الرحمة، ووصف ربه بغاية الرحمة ليرحمه، فكان في ذلك من حسن التلطف ما ليس في التصريح بالطلب {فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ} لما استجاب الله له أنبع له عيناً من ماء فشرب منه واغتسل فبرىء من المرض والبلاء {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} روى أن الله أحيا أولاده الموتى ورزقهم مثلهم معهم في الدنيا وقيل: في الآخرة، وقيل: ولدت امرأته مثل عدد الموتى، ومثلهم معهم، وأخلف الله عليه أكثر مما ذهب من ماله {رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا} أي رحمة لأيوب، وذكرى لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر، ويحتمل أن تكون الرحمة والذكرى معاً للعابدين.

.تفسير الآية رقم (85):

{وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)}
{وَذَا الكفل} قيل: هو إلياس وقيل: زكريا، وقيل: نبيّ بعث إلى رجل واحد، وقيل: رجل صالح غير نبي، وسمى ذا الكفل، أي ذا الحظ من الله وقيل: لأنه تكفل لليسع بالقيام بالأمر من بعده.

.تفسير الآيات (87- 88):

{وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)}
{وَذَا النون} هو يونس عليه السلام، والنون هو الحوت نسب إليه لأنه التقمه {إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} أي مغاضباً لقومه، إذ كان يدعهم إلى الله فيكفرون، حتى أدركه ضجر منهم فخرج عنهم، ولذلك قال الله: {وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت} [القلم: 48]، ولا يصح قول من قال مغاضباً لربه {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أي ظن أن لن نضيق عليه، فهو من معنى قوله قدر عليه رزقه، وقيل: هو من القدر والقضاء: أي ظنّ أن لن نضيق عليه بعقوبة، ولا يصح قول من قال: إنه من القدرة {فنادى فِي الظلمات} قيل هذا الكلام محذوف؛ لبيانه في غير هذه الآية، وأنه لما خرج ركب السفينة فرمي في البحر فالتقمه الحوت؛ {فنادى فِي الظلمات}، وهي ظلمة الليل والبحر وبطن الحوت، ويحتمل أنه عبر بالظلمة عن بطن الحوت، لشدّة ظلمته كقوله: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} [البقرة: 17] {أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين} أن مفسرة أو مصدرية على تقدير نادى بأن، والظلم الذي اعترف به كونه لم يصبر على قومه وخرج عنهم {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم} يعني من بطن الحوت وإخراجه إلى البرّ {وكذلك نُنجِي المؤمنين} يحتمل أن يكون مطلقاً أو لمن دعا بدعاء يونس، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة أخي يونس ذي النون ما دعا بها مكروب إلا استجيب له».

.تفسير الآيات (89- 90):

{وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)}
{لاَ تَذَرْنِي فَرْداً} أي بلا ولد ولا وارث {وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين} إن لم ترزقني وارثاً فأنت خير الوارثين، فهو استسلام لله {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} يعني ولدت بعد أن كانت عاقراً، واسم زوجته أشياع، قاله السهيلي {يُسَارِعُونَ فِي الخيرات} والضمير للأنبياء المذكورين {رَغَباً وَرَهَباً} الرغب الرجاء، والرهب الخوف، وقيل: الرغب أن ترفع إلى السماء بطون الأيدي، والرهب أن ترفع ظهورها.

.تفسير الآية رقم (91):

{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)}
{والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} هي مريم بنت عمران، ومعنى أحصنت من العفة أي أعفته عن الحرام والحلال، كقولها: {لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} [آل عمران: 47، مريم: 20] {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا} أي أجرينا فيها روح عيسى لما نفخ جبريل في جيب درعها، ونسب الله النفخ إلى نفسه، لأنه كان بأمره والروح هنا هو الذي في الجسد، وأضاف الله الروح إلى نفسه للتشريف أو للملك {آيَةً} أي دلالة، ولذلك لم يثن.

.تفسير الآيات (92- 93):

{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)}
{إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ} أي ملتكم ملة واحدة، وهو خطاب للناس كافة، أو للمعاصرين لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: إي إنما بعث الأنبياء المذكورون بما أمرتم به من الدين، لأن جميع الأنبياء متفقون في أصول العقائد {وتقطعوا أَمْرَهُمْ} أي اختلفوا فيه، وهو استعارة من جعل الشيء قطعاً، والضمير للمخاطبين، قيل فالأصل تقطعتم.